يتعرض العراق اليوم الى هجوم مستمر من قبل الإرهاب العالمي المتمثل بكيان داعش الذي يسعى الى تمزيق بلادنا والمنطقة كلها. حيث يعتمد الارهابيون في العراق الاستراتيجية القديمة التي تعتمد على مبدأ “فرق تسد” لتحقيق أهدافهم. وينعكس ذلك بشكل جلي في اساليبهم التي تقوم على إثارة الصراعات الطائفية والعرقية ومحاولة تجريد بلادنا من سيادتها والسيطرة على أكبر مساحة مستطاعه من اراضينا وقتل او نفي كل من لا يقدم الولاء والطاعة لنسختهم القذرة من السلفية الجهادية.
وعلاوة على صعوبة التحدي في مواجهة اساليب الإرهاب الخبيثة، تأتي التصريحات المضللة التي تسهل مهمة الإرهابيين القتلة وتشد ازرهم، مثل التصريح الذي صدر الأسبوع الماضي عن رئيس هيئة اركان الجيش الأمريكي الجنرال راي أوديرنو الذي اقترح بان تقسيم العراق قد يمثل الحل الوحيد للمشكلة.
ان صدور مثل هذه التصريحات يشدد على ضرورة ان يستمر الرئيس أوباما والكونغرس الأمريكي بتوضيح موقف الولايات المتحدة والتزامها بوحدة وامن العراق. من هذا المنطلق، ينبغي على واشنطن ان تستمر في ممارساتها الحالية بتسليح القوات الإقليمية المحلية فقط من خلال الحكومة المركزية في بغداد، ويجب ان تصر وبنوايا حسنة على تنفيذ اتفاق العام الماضي لتقاسم العائدات النفطية الموقع بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كوردستان العراق.
تبقى وحدة العراق تمثل الوسيلة الأفضل والامل الاكبر لدحر كيان داعش الإرهابي بفعالية. حيث يتجلى الطريق الوحيد لاجتثاث هذا الكيان الإرهابي من كل شبر من أراضينا وتحرير جميع مكونات مجتمعنا في تعزيز أواصر التلاحم في بلادنا على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي. وبالتأكيد فان ذلك يشمل قواتنا المسلحة. ومن منطلق احترام سيادة بلادنا، ومن اجل ضمان تماسك القوات العراقية على اختلاف تشكيلاتها وتباينها، فمن الضروري جداً ان يتم وصول جميع اشكال الدعم العسكري الدولي فقط عن طريق حكومة الوحدة الوطنية في بغداد. فان أي تصرف بخلاف ذلك سيؤدي حتماً الى بث روح الانقسام وتثبيط المعنويات والهزيمة في محصلة الامر.
نعم، قوات البيشمركة الكردية قوات شجاعة وذات بأس. ولكن مهمة تلك القوّات هي حماية إقليم كوردستان العراق وليس تحرير الانبار وغيرها من محافظات بلادنا التي يتكون اغلب سكانها من العرب السنّة. فمسؤولية تحرير هذه المحافظات وفرض الامن فيها تقع على عاتق القوات الأمنية العراقية بمختلف تشكيلاتها، فلا توجد هناك أي قوة أخرى غير القوات العراقية ممن تمتلك القدرة والشرعية والدوافع والعزيمة لدحر الإرهاب في عموم مناطق العراق.
منذ بدأ وصول المساعدات الدولية وحتى اليوم، يتم تسليم جزء كبير من تلك المساعدات التي تصل الى بغداد بشكل فوري الى حكومة إقليم كوردستان، ولم تسجّل حتى الان ولا حادثة منع او تأخير واحدة في وصول شحنات المساعدات الى قوات البيشمركة بسبب بغداد. وبالرغم من ان اغلب المعارك التي دارت الصيف الماضي قد وقعت في مناطق لا تتواجد فيها قوّات البيشمركة، فقد اثبتت بغداد حتى اليوم تسليم شحنات 370 طائرة من المعدات العسكرية التي تبرع بها شركاء التحالف الدولي الى أربيل.
بالإضافة الى ذلك، تعمل حكومة بغداد مع قوات العشائر المحلية على تامين امتلاك تلك القوّات للأسلحة والدعم اللازم لتحرير مناطقهم واهاليهم. ذلك ان استعادة أي شبر من العراق يتطلب بناء قوة عسكرية قادرة على دمج القوّات المحلية ضمن تشكيلاتها بشكل أكبر.
ومن هذا المنطلق، تسعى حكومة بغداد الى تشكيل قطعات الحرس الوطني التي سيتكون عناصرها من أهالي المناطق التي ستتولى تلك القطعات حمايتها. وهو ما سيعمل على تشجيع الأهالي لتحمل مسؤولية أكبر لحماية مناطقهم. وقد قدّمت الحكومة فعلاً مسودّة قانون الحرس الوطني الى البرلمان، حيث تمت القراءة الثانية للقانون ضمن إجراءات مناقشة القانون لإقراره.
هذا وتواجه وحدة العراق تهديداً اخر من الناحية الاقتصادية. ومع بالغ الأسف، تواجه حالياً أحد اهم منجزات الحكومة العراقية في طريق بناء الوحدة الوطنية خطر الانهيار. فقد توصلنا في كانون الأول الماضي مع حكومة إقليم كوردستان الى اتفاق تاريخي يتم حسب بنوده تصدير النفط المنتج من إقليم كوردستان ومن الحقول الحكومية في كركوك عن طريق الشركة العراقية لتسويق النفط (SOMO) بشكل يتفق مع الدستور العراقي ويضمن حصول إقليم كوردستان على حصة عادلة من الموازنة الاتحادية.
وبالرغم من توقيع الاتفاق، فقد تنصلت حكومة إقليم كوردستان عن تسليم التزاماتها من النفط. فقد سلّمت اقل من نصف كمية الإنتاج المتفق تسليمها الى (SOMO) خلال الستة أشهر الماضية، في الوقت الذي استمرت فيه حكومة الإقليم بتصدير النفط بشكل مستقل وخارج عن مواثيق الاتفاق الذي وقعت على بنوده وبخرق واضح للدستور.
المسالة هنا أكبر من موضوع أموال او نفط، فهي مسالة وحدة وطنية وثقة متبادلة. وحكومة إقليم كوردستان بحاجة الى ان تعاود التزامها ببنود الاتفاق الذي وقعت عليه ليتمكن العراقيون مجتمعين من تركيز جهودهم مرة أخرى على هزيمة كيان داعش الإرهابي. وبشكل لا يقل أهمية، نحن بحاجة الى ان نمنح كل العراقيين عراقً يستحق القتال في سبيله، عراقٌ تتعدد فيه الأعراق والطوائف في ظل دولة ديمقراطية تخدم وتصون جميع مواطنيها.
فلا يمكن للعراق وهو يخوض الحرب ضد الإرهاب العالمي بالنيابةً عن العالم اجمع ان ينتصر في هذه الحرب دون حصوله على الدعم من العالم. فحسب قراري مجلس الامن الدولي 2170 و2199، فان المجتمع الدولي، والدول المجاورة للعراق بشكل خاص، ملزمة وفق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة ان تبذل ما هو أكثر بكثير لتفكيك شبكة تمويل كيان داعش ومده بالمجندين وان يتم اتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة ورد أيديولوجية الكيان الخبيثة التي تقوم على الحقد لتغذية هذا الصراع.
الشعب العراقي يكن الى الابد الشعور بالامتنان للشعب الأمريكي لما قدموه من تضحيات من اجل حريتنا وامننا. ولكن وللأسف، لا توجد امامنا حلول سريعة وطرق مختصرة لبناء العراق الذي يستحق تضحياتنا المشتركة ولإنقاذ البشرية من طامّة كيان داعش، اذ لا يمكن تحقيق ايٌ من ذلك الّا ببذل الجهود من قبل الجميع لتعزيز وحدة بلدنا، العراق.
لقراءة المقال من موقع Foreign Policy الرجاء اضغط هنا.
Thu, Aug 20, 2015