رفض الاكراد الالتزام باتفاقية النفط يقوض وحدة وسيادة العراق
وقعت الحكومة العراقية المركزية في بغداد في شهر كانون الأول عام 2014 اتفاقاً نفطياً مع حكومة إقليم كوردستان، حيث يعتبر هذا الاتفاق على نطاق واسع على انه انجاز كبير في طريق وحدة العراق. فقد حددت الاتفاقية رسميا ان ترسل حكومة الإقليم انتاجها من النفط والبالغ 550,000 برميل\ يوم الى الشركة العراقية الرسمية لتسويق النفط (سومو) لتسويقه مقابل ان تضمن الحكومة المركزية حصول إقليم كوردستان على حصته الرسمية من الموازنة الاتحادية العامّة وبما يتوافق مع الدستور العراقي. اليوم، هذا الاتفاق معرض للانهيار بسبب تجاوز حكومة الإقليم لشركة تسويق النفط سومو وقيامها بشكل مستقل بتصدير النفط المنتج، ليس من منطقة الإقليم فحسب، بل من الحقول المحيطة بكركوك ايضاً والتي لم يتم ادراجها ضمن اتفاق كانون الأول 2014 على انها حقول تابعة للمنطقة الكردية.
الاتفاق النفطي يحقق الموازنة بين الاولويات السيادية والإقليمية
وافقت حكومة إقليم كوردستان بموجب الاتفاق التاريخي، الذي تم التوصل اليه بعد نزاع امتد لأكثر من عقد من الزمن، على ارسال 550 ألف برميل\ يوم الى بغداد (250 ألف برميل من المحافظات الكردية الثلاثة التي يصل احتياطها الى 4 مليارات برميل و300 ألف برميل من محافظة كركوك التي يصل احتياطها الى 9 مليارات برميل). حيث ساهمت هذه الاتفاقية في تهدئة النزاع حول موضوع الجهة التي تسيطر على محافظة كركوك وموارها النفطية، وهي المحافظة التي استحوذت عليها القوّات الكردية من الحكومة المركزية خلال الفوضى التي عمّت المنطقة اثناء غزو كيان داعش الصيف الماضي.
وقد وافقت الحكومة المركزية على صرف حصة إقليم كوردستان من الموازنة الاتحادية مقابل ان تقوم حكومة الاقليم بتسويق النفط من خلال شركة سومو. فحسب الدستور العراقي والموازنة الاتحادية لعام 2015 التي صادق عليها مجلس النوّاب في كانون الثاني الماضي، يبلغ استحقاق إقليم كوردستان نسبة 17% من مصروفات الحكومة بعد استقطاع المخصصات السيادية. بالإضافة الى ذلك، فان الموازنة الاتحادية قابلة للزيادة او النقصان وحسب تغيرات أسعار النفط العالمية، وهو ما يسمح لوزير المالية بتغيير الدفعات المقدمة الى حكومة الإقليم بما يتناسب مع تغيرات أسعار النفط.
ما حدث هو ان حكومة إقليم كوردستان قد أخلّت بالاتفاق، إذ لم تتجاوز كمية النفط التي استلمتها شركة سومو من حكومة إقليم كوردستان اثناء الفترة من كانون الثاني الى حزيران نسبة 57% من كمية النفط المتفق تسليمها حسب الاتفاق (بلغ معدل كمية النفط الذي سلمته حكومة الإقليم الى شركة سومو 313,500 برميل\ يوم بدل 550,000 برميل\ يوم المتفق عليها، أي بعجز يبلغ 236,500 برميل يومياً). علاوة على ذلك، وفي نفس الوقت الذي لم تفي فيه حكومة الإقليم بالتزاماتها لشركة سومو، فقد كانت تصدر بشكل مباشر كميات متزايدة من نفط الإقليم ونفط كركوك وبانتهاك واضح لبنود الاتفاق.
في المقابل، فقد اوفى رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي وحكومته بالتزاماته حسب الاتفاق النفطي بصرف حصة الإقليم من مبيعات النفط مع نهاية كل شهر وبما يتناسب مع كميات النفط المستلمة من حكومة الإقليم. فقد قامت حكومة الإقليم اثناء الفترة من 1 كانون الثاني ولغاية 23 حزيران بتسليم 28.561 مليون برميل نفط منتجة من حقول منطقة الإقليم الى شركة سومو، وهو ما تبلغ قيمته الاجمالية 1.407 مليار دولار. فيما قامت الحكومة المركزية مقابل ذلك بصرف مبلغ 2.015 مليار دولار الى حكومة إقليم كوردستان.
– بالإضافة الى ذلك، فقد سلّمت حكومة إقليم كوردستان كمية 20.846 مليون برميل الى شركة سومو (ما تبلغ قيمته 1.026 مليار دولار) منتجة من حقول نفط كركوك، وهو نفط لا يعود لكوردستان، ليصل اجمالي ما تم تسليمه الى شركة سومو الى 49.407 مليون برميل نفط، بقيمة اجمالية تبلغ 2.433 مليار دولار.
– وفي الوقت ذاته، فقد صدّرت حكومة إقليم كوردستان بشكل مستقل ما تبلغ قيمته 1.304 مليار دولار من النفط عبر قنوات تصدير خارج شركة سومو، وهو ما يشكل انتهاكاً لشروط الاتفاق.
وعند دمج العائدات النفطية التي وردت الى حكومة إقليم كوردستان من مبيعات النفط بشكل مستقل مع العائدات التي وردت اليها حسب الاتفاق النفطي، فقد وصل المبلغ الإجمالي للواردات الذي حصلت عليه حكومة إقليم كوردستان الى 3.049 مليار دولار، وهو ما يعادل 35% من اجمالي موازنة الحكومة المركزية (باستثناء النفقات السيادية) للفترة المحددة أعلاه. وعند اخذ صادرات حكومة الإقليم من النفط بشكل مستقل في الاعتبار، ستتجاوز حينها عائدات حكومة إقليم كوردستان وبشكل كبير استحقاقها البالغ 17% من الموازنة الاتحادية.
انهيار الروابط المالية بين بغداد واربيل يساهم في إضعاف الوحدة الوطنية في وقت حرج.
يعتبر الاتفاق النفطي الموقع بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كوردستان مثالاً على كيفية الاستفادة في العراق من النظام الفيدرالي واللامركزية في اتخاذ القرارات لتوثيق الاواصر بين الحكومة المركزية واربيل. حيث يساهم توثيق التعاون بين بغداد وعاصمة الإقليم في زيادة تماسك مكونات المجتمع الذي تمكن كيان داعش من استغلال الفرقة بين صفوفه. الوحدة على جميع المستويات، الوطنية والإقليمية والمحلية، تمثل السبيل الأفضل لتمكين العراقيين من دحر كيان داعش وحماية الأراضي العراقية من الإرهاب في المستقبل.